|
|
|
|
|
|
||
|
|
|
|
|
|||
|
|
||||||
|
|
||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||
|
|
لماذا التجديد في التصوف الإسلامي
ورقة مقدمة في
المؤتمر الحادي والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي تنظمه وزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية
تحت رعاية فخامة السيد الرئيس/ محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية في الفترة من 8-11 ربيع الأول 1430هـ 5- 8 مارس 2009م
القاهرة
بقلم:
الشيخ الشريف إبراهيم صالح الحسيني CON رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي النيجيري أبوجا- جمهورية نيجيريا الفيدرالية.
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة:
الحمد لله القائل في محكم تنزيله : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) الجمعة:2 والقائل: ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)الشمس: 9-10 والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله القائل: ( اللهم طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء ولساني من الكذب وعيني من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) رواه الحكيم الترمذي والخطيب البغدادي. وعلى آله الطيبين الطاهرين المطهرين، وأصحابه قادة المتقين نجوم المهتدين، ورجوم المعتدين. أما بعد،
فإن البشرية - اليوم - تمر بمرحلة تاريخية حرجة حيث طغت فيها الحياة المادية، وانصب اهتمام الناس في الحياة على جمع حطام الدنيا ، والجري وراء زهرتها الفانية. فتفشى الظلم وانعدمت العدالة والمساواة، وضاعت القيم الإنسانية وأهدرت الأخلاق، وكرامة الإنسان، وعطلت الشرائع السماوية. أما القوانين الوضعية فتطبيقها في أغلب الأحيان يكون بحسب إملاءات الأقوى فظهرت إزدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين في المؤسسات الشرعية الدولية.
وبما أن التجديد والتجدد سنة من سنن الله في الكون، وأنه ضرورى لتقدم الأمم وتطورها فلابد منه لهذه الأمة في دينها وفى شأن دنياها، ولعلو وعظمة الجانب الروحى فى الإسلام يجب أن يشمله التجديد، كما يجب تجديد الإيمان فى القلوب إذ أصبح جل الناس من المؤمنين يجرون وراء متعة الحياة ووراء كل ما هو جديد آت من الغرب، أو من الشرق حتى ولو على حساب المساس بالثوابت في بعض الأحيان. فضعفت بذالك النفوس، وكلت الهمم، وماتت الضمائر، واتسم الجميع بالطمع والهلع فاصيبت الأمة كلها بالذل والهوان بسبب اتباع الهوى وكثرة الإختلافات التي أدت إلى التفرق والتمزق، وبسبب إهدار المسلم لكرامة أخيه المسلم واستهانته بالحصانة الإلهية التى منحها الله تبارك وتعالى إياه.
ولقلة الاهتمام بتقويم سلوك الأفراد فضلا عن الجماعات وخاصة المنتسبين إلى التصوف، غابت سنة تزكية النفوس وتطهيرها عن رعوناتها، وانعدم التمسك والإلتزام بالأصول الصحيحة للطريق وحل مكانها الدعوى الباطلة والتفاخر والإكتفاء بالانتساب إلى الأكابر، والتمشيخ ، مع عدم المعرفة بسنن هذا الطريق أصولا وفروعا، ومع شدة الغفلة عن مراقبة الله ما يجري من شئونه على مستوى الخلق والأمر .
يحصل كل هذا في الوقت الذي نجد فيه أن القرآن قد دعا بحرارة شديدة إلى التقوى، وإلى الابتعاد عن غرور الدنيا، ودعا كذالك إلى الإهتمام بالآخرة. ققد قال تعالى:( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) الحديد: .21 وقال أيضا:( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا) الكهف: 45 . وقال تعالى :إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلنها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذالك نفصل الآيات لقوم يتفكرون . والله يدعوا إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم . يونس [24 ـ25] . وقال أيضا:( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متع الغرور) الحديد: 20 . وقال:( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذالك متع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ) آل عمران: 14 . وفي وسط هذه الظروف العصيبة التي نعيشها حيث جنحت فيها بعض الأفكار إلى الجمود والتفريط وأخرى إلى الإفراط في الجري وارء بريق التجديد إلى حد المساس بالثوابت، كان لا بد من وقفة جادة مع النفس والضمير لمراجعة الحسابات والنظر في كيفية إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والعودة بهذه الأمة إلى سابق مكانتها الرائدة، ولاحتلال موقع الصدارة .
ونحن إذ نثمن غاليا جهود جمهورية مصر العربية ممثلة في وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في تنظيم هذا المؤتمر فإنه يسعدنا ويشرفنا أن تتناول هذه الورقة – وهي بعنوان لماذا التجديد في التصوف الإسلامي- مفهوم التصوف أولا، ثم مفهوم التجديد في التصوف، كما ستتناول الورقة أيضا أهمية العناية بالقلب ودوره في تحصين الفرد وحماية مقومات الأمة الإسلامية، ثم تنتهي بالتوصيات .
مفهوم التصوف
التصوف في الحقيقة هوعبارة عن التزكية التي تكررت في عدد من الآيات القرآنية . يقول الله تبارك وتعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانو من قبل لفي ضلال مبين) الجمعة:2 .
وقال تعالى :{ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم، } البقرة 129 . فالتزكية المشار إليها هنا وفي غيرها من الآيات هي التي يعنيها علماء الآخرة بالتربية الروحية، أوتطهير القلب وزكاة النفس . يقول الله تعالى :( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) الشمس: 9-10 فتزكية النفس هي تطهيرها وتهيئتها، لتكون مؤهلة لمناجاة الحق، و مؤهلة للدخول فى حضرة الحق تبارك وتعالى في كل الأحوال .
فالتصوف عبارة عن منهج شامل ومتكامل يؤثر على النفس بتعميق القيم والمبادىء المثلى في مظهرها وسلوكها. فالتصوف قسيم لثلاثة أشياء تنتظمها معنى الدين والإسلام بمعناه الحقيقى الشامل ينتظمها كلها فعندما نتناول الإسلام من حيث علاقته بالعقيدة والعبادة والخلق، والتزام الصراط المستقيم نجده يختلف عما يراد بكلمة الإسلام حين نقسم هذا المعنى إلى أجزاء فيكون للإسلام معناه وللإيمان معناه وللإحسان معناه .
والذي يعنينا في هذا التقسيم هو قسم الإحسان. والإحسان يعني التحقق بالعبادة ظاهرا وباطنا، والعبادة هي السبب المباشر في إيجاد الخلق. فما من شئ إلا وهوعابد، وعبادته تسبيحه، وما من شئ في السماوات أوفي الأرض إلا وهو ساجد، وسجوده هوعبادته . يقول الله تبارك وتعالى:( وإن من شئ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم) الإسراء: 44 . ويقول : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) الحج:18 .
فالله خلق الجن والإنس ليعبدوه فقال: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات:56 وقال: ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) الحجر: 99 . وقال : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، و بذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السيبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) النساء :36 . ويقول : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) البينة:5 . ويقول : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير) الحج: 77-78 .
كل هذه الآيات تؤكد أن العبادة هي ركن أساسي في مسيرة الإنسان في علاقته مع ربه. والعبادة بمعناها الصحيح تعني تسليم الوجه روحا وعقلا بالخضوع والتذلل لله تبارك وتعالى مقترنا ذالك بالمحبة والتعظيم والإجلال. وقد فسرها العلماء بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال والأحوال .
وهي إما ظاهرة ،وإما باطنة. فالنوع الأول من ذلك الشهادتان، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والهجرة، والجهاد، و الأمر المعروف والنهي، عن المنكر، والاستقامة في القول، وذلك يشمل الصدق في مطلق الكلام، وتحري الصواب في الإخبار بالحكم الشرعي، وأداء الشهادة على وجهها، والإفتاء بالصحيح من الأقوال إن كان الشخص ممن يستفتى، والصدق في النطق بالحكم إن كان قاضيا أوحاكما، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس عامة، وخاصة الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، والمملوك آدميا أوحيوانا، وهكذا الجيران والأقارب، والوفاء بالعهود، وصيانة اللسان من الغيبة، والنميمة، والعضه، والبهتان، والكذب في جميع مظاهره، والمراء، والجدال، والسخرية، والاستهزاء، والهمز، واللمز.
فالابتعاد عن هذه الأمور كلها داخل في مسمى العبادة الظاهرة. وكذلك كف الأذى عن المسلم بتحريم عرضه، ودمه، وماله، إلا بطيب نفس، وجهاد المعاندين، والمنافقين، والمتحللين من أحكام الشريعة بالقرآن، والدعوة والدعاء والذكر والقرآن تقربا لله تعالى بكلامه، ونصرة المظلوم، وردع الظالم، والجهر بكلمة الحق دون زيغ أو روغان، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن على بصيرة المتابعة التامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذه كلها وجوه للعبادة، وسر الإحسان فيها أن يصدرها الإنسان في حال يشهد فيها معيته مع الله في حال كأنه يرى الله حين يتعاطاها، أويؤمن يقينا أن الله تبارك وتعالى يراه. وليس هناك مقام ثالث في مشهد العبودية للإنسان،إذ لا بد أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومن أعظم العبادات كف أذاك عن أهل القبلة .
أما العبادة بمعناها الصحيح الأدق الذي ينتظم معاني أخرى باطنة، وهوالنوع الثاني من العبادة فهي اسم جامع لاستقامة الأحوال، ومناطها استقامة القلب، وصحته، وسلامته بتنويره بالإيمان بالله، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وخشية الله، وخوفه، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضى عنه في جميع أحكامه، والرهبة، والرغبة إليه، والمحبة الصادقة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، ولدين الإسلام بالولاء، والإنتماء المطلق الذي لا يتخلله التفات إلى غير الحق تعالى. وهذه الأعمال وما شابهها هي العبادة ظاهرة وباطنة. ويلزم المسلم معرفة العلم المتعلق بها والفقه الظاهر الذي يتضمن ذلك كله0
فهذا المعنى الذي أشرنا إليه في العبادة هو الذي عرفه أهل السنة والجماعة من الفقهاء والمحدثين والصوفية بالإخلاص، وعلم الباطن، وعلم الإحسان، وأخيرا اصطلحوا على تسميته بالتصوف . ولنطلق على إنسان وصف صوفي يجب أن يستقيم على منهج هذه الشريعة الإسلامية ظاهرا، وباطنا مظهرا، وسلوكا. ومن هنا قال قائلهم: كل باطن ينقضه ظاهر في الشريعة فهو باطل .
المراحل التي مر بها التصوف
مر التصوف بثلاثة مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة من بعد الصحابة رضوان الله عليهم، وهي دائرة من عنوا برعاية الأحوال، وهي مرحلة تعكس فيها قلوبهم أحوالهم ويدل ظاهر حملة هذا النور على صفاء الباطن ونقائه ، وقد قيل في مثل هذا (من كثرت صلاته بالليل أشرق وجهه بالنهار)، فتربية الحال هذه تكون فيها الأحوال الباطنة هي الحاكمة على الأقوال والأفعال، وهي أعلى مراتب الإيمان .
المرحلة الثانية تبدأ من زمن الإمام الحسن البصرى إلى عهد إمام الطائفة الجنيد بن محمد القواريرى البغدادى وظلت الأمور على ذالك إلى زمن الغزالى والحاتمى حين تعرض التصوف إلى عوامل التطور فدخلت قضايا التصوف النظرى فى صميم منهج العبادة والنسك ليتحول إلى مذهب ينتظم العقيدة مع التركيز على تجريدها الأمر الذى سهل إنتقال كثير من المصطلحات الفلسفية إلى هذا المذهب السلفى فى أصوله وأسسه إلى عهد قيام الطرق الصوفية التى توسعت وتفرعت كالنقشبندية والقادرية والشاذلية وماتبعها إلى عهد الشعرانى الذى لاحظ انحرافا واضحا فى سلوك بعض المنتسبين إلى التصوف بغير حق، فقام فى وجه هذا الإنحراف الواضح. والشعراني يعتبر محدد هذه المرحلة، وهي مرحلة تجديد الأفعال، أي أن الصوفية فى هذه المرحلة يعتدون بالفعل لا بالحال، وتكون هذه الأفعال فيما اصطلحوا عليه موزونة غاية الوزن بأوامر ونواهي شرع الله تبارك وتعالى, وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانت الأفعال مشرفة، ويدل فعل الإنسان على باطنه، ولذلك لم تكن أفعالهم مخالفة للهدي النبوي الشريف.
المرحلة الثالثة مرحلة الأقوال حيث كثر الكلام حتى أصبح العلم كلاما، والتصوف كلاما والتدين كله كلاما وقد خص الله تبارك وتعالى بعض عباده بسر الحال لكنهم غير ظاهرين، وحقق بعض عباده بسر الأفعال، ومع ذلك لم يستطيعوا الظهور به. وفي مقام الأقوال هناك من أذن لهم فى العبارة، وهى عبارة عن لسان رباني يعطيه الله تبارك وتعالى لعبده، فقد قيل: ( من أخلص لله، وزهد في الدنيا أربعين يوما أطلع الله الحكمة من قلبه على لسانه). فبتحقق هؤلاء المخلصين يملأ الله تبارك وتعالى قلوبهم بالنور، فتنتقل حالة الطهر من أفعالهم إلى أقوالهم. أما نحن اليوم فقد جعلنا الله تبارك وتعالى في مرحلة الأقوال. هناك أناس اصطفاهم ربنا عز وجل فبدأوا بالأقوال ونضجوا، ثم تحولوا للأفعال فتربوا، ووصلوا إلى مقام الأحوال وقليل ماهم .
وهناك أناس أوقفهم الله تبارك وتعالى في مقام الأقوال لا يتعدونها كالشجرة التي لا تثمر بطبيعتها . ولذلك كانت قلوب الناس في السابق مليئة بالأنوار، وجوارحهم كلها مشغولة بالأفعال التي ترضي الله ورسوله، فأحوالهم تنهض المريدين وأقوالهم تدل على الله السالكين، فقد قالوا لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله ، فكان الإنشغال عندهم بالله أكثر من الإنشغال بأى شئ آخر، فعمرت قلوبهم بالله، وفرغوا قلوبهم من كل شئ سوى الله فشغل الله جوارحهم بالله .
أما في هذا الزمن الذي نعيش فيه فقد امتلأت القلوب بالدنيا فملأ الله الجوارح بأشغال الدنيا، ولا يملك الإنسان إلا الكلام، ولذلك نرى كلاما كثيرا من غير فعل .
ولذلك فإن الخوف من الله أمر يتعلق بالقلب ثم ينعكس على الجوارح، ومن الجوارح ينعكس على اللسان فيترجم عما بطن فى القلب ولذلك قالوا: إنما الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فمن زكاهم الله تبارك وتعالى وهداهم، وطهرهم، وحفظ ألسنتهم تكون خطواتهم دائما متطابقة مع الأقوال التي تصدر منهم ، فالأفعال كلها تأتي سليمة موافقة لما في القلب، وهذا يؤثر في اللسان أيضا فتكون الأقوال كلها مطابقة لما اتصفت به الجوارح، ثم تكون مطابقة لما ثبت وقر في النفس.
أما اليوم ففي الأغلب ليست هناك خطوات، أو أفعال متطابقة بالمعنى المتقدم. فقد أصبح اللسان كالشجرة التي ليست لها ثمرة. فالخوف من الله هو الثمرة، وهو قليل اليوم إلا من صانهم الله، وهؤلاء الذين صانهم الله تعالى يجري علي ألسنتهم ما يفيد، ويؤثر، ويحي القلوب حتى إنهم إذا قالوا جملة واحدة صغيرة، واعتنى بها المسلم وحفظها وطبقها صار وليا كبيرا.
وفي المقابل، هناك من يتكلمون كثيرا، ولكن كلامهم لا يرد الناس أبدا إلى دائرة الحق تبارك وتعالى، فهم ممنوعون منه حتى إن الناس لا يقربونهم. فكلامهم كله كلام ناشف خال من كل روحانية مثل فردة الكاوتش ليس فيه حياة ، بل أفضل منه أن تستمع إلى الحديث من خبير عن الصناعات، و منافع الدنيا كالطب والهندسة لقد أصبح كلامهم في الدين بعيدا عن الدين ، مكررا، ومملا ومقلقا، ومزعجا، بل ومكدرا للأمن والاستقرار، كوعظ بعض الدعاة الذين يفترض أحدهم أنه وحده إمام الهدى والتوحيد، وبقية كل من في العالم مشركون ومذ نبون النار أولى بهم . لم يفترض الواحد منهم في نفسه يوما أن هؤلاء الناس فيهم أصحاء وفيهم مرضى، وأن وظيفته كطبيب معالج تتعلق بالمرضى، و وصف طريقة الوقاية للأصحاء، ولكنه يرى أن الناس كلهم مرضى كالطبيب الذي يدخل سوقا ويقرر من تلقاء نفسه ويفترض أن كل من في السوق مريض، وأنه لا بد له من حقنهم جميعا بالعقاقير الطبية. فاعتبر هؤلاء الدعاة الكلام الظاهر من طرف اللسان عبادة، وأن الشجرة هي الثمرة، فتجد درس أحدهم و وعظه من أوله إلى آخره في أن المسلمين ضالين وشاذين ومشركين.
مفهوم التجديد في التصوف الإسلامي
التجديد في التصوف لا يعني التجديد في مبادئه وثوابته، وإنما يعني تجديد فهم الناس للتصوف، وتجديد المعنى القائم بالقلوب مما يتعلق بالعبادة، وتصفيتها، مما يتعلق بالنفوس والقلوب وتزكيتها. لأن العبادة أساس كبير في مجال التصوف. وتجديد فهم الناس للتصوف وتناوله، وتجديد علاقة الناس بهذا الجانب العظيم في حياة المسلم من حيث فهم هذا الجانب فهما صحيحا، ومن حيث علاقة الإنسان المهتم بهذا الجانب بالآخرين، أصبح أمرا ضروريا. وبعبارة أخرى فإن هذا النوع من الإنعكاسات التي يحدثها التمسك بالتصوف في النفس هو التجديد.
يشمل تجديد التصوف في هذا الزمن أشياء كثيرة من بينها ما أشرنا إليه، وهو أن يلتزم المسلم في منهجه وفي سلوكه بالكتاب والسنة، وفي كل تحركاته وتعامله مع الناس من جميع طبقات المسلمين بحسب معطيات العقيدة الصحيحة التي انصبغ القلب بها، وهي جانب التزكية الروحية . فالتجديد في التصوف يعني مد معنى العبادة ليشمل كل الجوانب التي سبق ذكرها .
فالتصوف في الحقيقة في عصرنا الحاضر يحتاج إلى كل هذه المعطيات، وإلى كل هذه الأسس. وكتب التصوف الإسلامي العملي تكفلت بشرح ذلك وتقريبه بل واستقصائه. فتوبة القلب، وإنابته، وتقواه، والصدق، والإخلاص، والمراقبة، والمشاهدة، والصبر، والرضا، والتوكل، والمحبة، والطمأنينة، والخشية، والرغبة، والرهبة، والخوف، والخشوع، والرجاء أمور تدخل في مسمى العبادة الباطنة والتي يحتاج إليها الصوفي الحقيقي. وعلى الصادق أن يعكف على باب قلبه حتى يحقق هذا الجانب ، ويتلو ذلك أمور من الأحوال الباطنة التي يتحقق بها أولياء الله من أهل العرفان .
وعلى كل حال، فنحن في هذا العصر نعلم أن الإسلام يحتاج إلى صوفي يظهر بمظهر الكمال ، المظهر الذي لا يطغى فيه جانب على جانب، فبدلا من الاكتفاء بالشارات الظاهرة، أو إحاطة النفس بكثير من السلبيات واعتزال المجتمع ، أو الميل إلى الخمول وعدم مشاركة الأمة في أفراحها وأتراحها يجب مشاركة المنتسبين إلى التصوف في بناء هذه الأمة بمقومات تحفظها من عدوان المعتدين، وتقويمها مسارها حتى تستطيع مواجهة كل تحديات هذا العصر. إن تجنب وتلافي كل السلبيات في هذا العصر يوجبه الإتجاه الصحيح في مجال التزكية، وسلوك المنهج السوي القويم .
وجوب العناية بالقلب وإصلاحه كأساس للتجديد في التصوف الإسلامي إن مما يجب الإعتناء به وهو مما فرض الله فرض الله علينا وكان مما اهتم به السلف إصلاح القلب بتقويم سلوكه وإعداده الإعـداد الصحيح للتعامل مع الملك الحق المبين. والقلب هو القوة المودعة في الإنسان لإدراك العلوم واستحضارها بالفكر والتأمل، وهو الفؤاد، وهو في الحقيقة عين الروح، والعقل، والنفس، ولكن باعتبارات مختلفة . وعلي الجملة فإن إصلاح القلب فرض عين علي العباد قال تعالي: ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) الشمس 9- 10 ومعني زكاها أي طهرها من الكفر، والمعاصي بالإسلام والتوبة والعمل الصالح. يقول علماء التفسير : قد أفلح أي ظفر بجميع المرادات - من زكاها- أي طهـرها من الذنوب، ونماها وأصلحها وصفاها تصفية عظيمة بما يسره الله تعالي له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة – وقد خاب من دساها – أي أغواها إغواء عظيما وأفسدها وأهلكها بخبائث الإعتقادات ومساويء الأعمال والأخلاق وقبائح السيئات وقال تعالي: (أفرأيتم ماكنتم تعبدون . أنتم وآباؤكم الأقدمون .فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين .والذي هو يطعمني ويسقين.وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين.والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الأخرين.واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضآلين. ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتي الله بقلب سليم. وأزلفت الجنة للمتقين) الشعراء 75 –90 وقال : ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد. هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب. أدخلوها بسلام ذالك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيـد.وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلد هل من محيص .إن في ذالك لذكري لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد ) ق 31 - 37 . وقــال تعالي: ( قد أفلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلي. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقي ) الأعلي 14 -17 . وقال تعالي: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) الجمعة 2 . وقال تعالى :{ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين } آل عمران :164 وقال تعالى { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } البقرة 128 . ويقول المصطفي صلي الله عليه وسلم :" اللهم طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء ولساني من الكذب وعيني من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور". رواه الحكيم الترمذي والخطيب البغدادي عن أم معبد الخزاعية وهو ضعيف قال الغماري لأنه من رواية فرج بن فضالة عن عبد الرحمن بن زياد مولي أم معبد عن أم معبد فالمولي مجهول لا يعرف والراوي عنه عبد الرحمن ضعيف وكذا الراوي عنه فرج بن فضالة . وفي الحديث: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعى يرعي حـول الحمي يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمي ألا وإن حمي الله تعالي في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسـد كله إلا وهي القلب ". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وإبن ماجه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه .
ومن العوائق والأخلاط المانعة من صحة القلب واستقامته تعلقه بالكون الحادث، والجري وراء الآثار واحتجابه بها عن المؤثر، أو تقول وقوفه مع الأسباب دون مشاهدة مسبب الأســباب. قال في الحكم: " كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته ". قال إبن عجيبة: يشرق بضم الياء أي يستنير ويضيء، وصور الأكوان أشخاصها وتماثيلها الحسية والمعنوية، والأكوان أنواع المخلوقات دقت أو جلت، ومنطبعة أي ثابتة، وانطبع الشيء في الشيء ظهر أثره فيه، والمرآة بكسر الميم آلة صقيلة ينطبع فيها ما يقابلها فكلما قوي صقلها ظهر ما يقابلها فيها واستعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلي فيها الأشياء حسنها وقبيحها. قال إبن عجيبة : جعل الله قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع بها كل ما يقابلها وليس لها إلا وجهة واحدة فإذا أراد الله عناية عبد شغل فكرته بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ولم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية والخيالات الوهمية فانطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان والإحسان، وأشرقت فيها أقمار التوحيد وشموس العرفان، وإذا أراد الله تعالي خذلان عبد بعدله وحكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية، والشهوات الجسمانية فانطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه فأنحجب بظلماتها الكونية وصورها الخيالية عن إشراق شموس العرفان، وأنوار الإيمان فكلما تراكمت فيها صور الأشياء إنطمس نورها، واشتد حجابها فلا تري إلا الحس ولا تتفكر إلا في الحس فمنها ما يشتد حجابها وينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من أصله، وهو مقام الكفر والعياذ بالله، ومنها ما يقل صداها ويرق حجابها فتقر بالنور ولا تشاهده وهو مقام عوام المسلمين، وهم متفاوتون في القرب والبعد وقوة الدليل وضعفه كل قدر يقينه وقلة تعلقاته الدنيوية وعوائقه الشهوانية وخيالاته الوهمية إنتهي ج1ص33 - 34 . فمتي تطهر القلب من أخلاق البشرية وهي الأوصاف المانعة من إخلاص العبودية فقد صـفا ومرد ذالك إلي أمور : أولها : أن يكون القلب متعلقا بأخلاق البهائم والحيوانات وهي شهوة البطن والفرج ومايتبع ذالك من حب حطام الدنيا وزهرتها مما يوصل إلي التمتع بذالك ولذالك جاء في الحديث : عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشي الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله تعالي له أمره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلي الله تعالي إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة وكان الله تعالي بكل خير إليه أسرع ". رواه الطبراني في الكبير . ولقــد أوضح الحق هذه المرتبة من أحوال النفس حين قال :{زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذالك متع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب } آل عمران14 .فمتي تطهر القلب من هذه الأمور صفت مرآته. ثانيها : عدم تخلقه بأخلاق الشياطين، والسباع، كالكبر، والحسد، والحقد، والغضب، والحدة أي القلق، والبطر، والطيش وهو قلة العقل، والأشر وهو الإستكبار، والمكر، والإستخفاف بقيم الناس وإهدار كرامتهم، وحب الجاه والرياسة، وحب المحمدة والثناء، والجفاء، والقسوة، والفظاظة، والغلظة وتعظيم الأغنياء وأصحاب الجاه، وإحتقار الفقراء، والضعفاء، والمساكين وصلاحه مرهون بالخلاص من ذالك . ثالثهــا : عدم تخلقه بصفات الشك في فضل الله ورزقه تصديقا لوعد الشيطان وتكذيبا بوعـد الله، وذالك بالجمع، والمنع، والحرص علي عرض هذا الأدني كخوف الفقر، وهم الرزق، والبخل، والشح، والرياء، والعجب، والرضا عن النفس، وقلة الإنصاف، والطمع في الخلق والخوف منهم. ومجموع هذه الأمور كلها هي الفتن في الدين وسبل الشيطان التي حذر الله من إتباعها.
وفي الحديث عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه :" تعرض الفـتن علي القلوب عرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتي يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه " رواه مسلم . وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتي تعلو علي قلبه وهو الران الذي ذكر الله تعالي { كلا بل ران علي قلوبهم ماكانوا يكسبون} المطففين 14 رواه أحمد والترمذي والنسائي وإبن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب وهو حديث صحيح . رابعها : أن يتخلق بأخلاق أرباب الدعاوى من التطلع إلى أعلى الدرجات، والتشوف إلى مقامات أهل الكرامات فينحصر جده واجتهاده كله فى التظاهر بما يدعو العامة إلى اعتقاد الخصوصية فيه، والخلاص من ذلك شرط فى الوصول إلى حضرة اليقين حضرة الشهود والعيان. والقلب مهما جاهد فمادام يلتفت إلى هذه القواطع المعنوية فهو محجوب عن حضرة المحبوب . خامسها : الجرى وراء الكرامات، والمقامات، والمنزلة فى قلوب الناس مما هو مرض نفسى يرجع إلى رعوناتها، وعدم زكاوتها وصفائها، ومن أصيب بهذا النوع من الأمراض النفسية لم يدخل حضرة القدس ما لم يتخل عن ذالك، ويتحلى بالضد من ذالك، وهو الزهد التام فى هذه التام فى هذه المقامات، وإظهار الكرامات، ومحاكاة أصحاب السر والناموس الإلهى ممن اختارهم الله حقا لتلك المقامات. ولقد انقطع كثير من السالكين بالتفاتهم إلى مثل هذه الأشياء بل اشترط العارفون فصم القلب وقطع جميع العلائق بالمكونات، إذ تعلق القلب بالسوى هو جنابة القلب، ولا يدخل الحضرة قلب لم يتطهر من حجاب الغفلات أو يتحرر من عقال الشهوات فقالوا:- فلا تلتفت فى السير غيراً وكل ما *** سوى الله غير فاتخذ ذكره حصناً وكل مقام لا تقــم فيه إنـــــــــــــه***حجاب فجد السير واستنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتــــلى ***عليك فحل عنها فعن مثلها حلنــا وقل ليس لى فى غير ذاتك مطلب *** فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى
الخاتمة مما تقدم نخلص إلى أن التصوف هو عبارة روح الدين، وكلمة الدين تشمل الإسلام والإيمان والإحسان. التصوف يشمل أعمال الدين الباطنة، مثل الإخلاص في العبادة كالروح في الجسد، فالعبادة لا تصح إلا بالإخلاص يقول الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) البينة: 5 . فالتصوف هو القيام بوظائف العبودية، ورعاية حقوق الربوبية وإعطاء كل ذي حق حقه. هذا التصوف ليس شعارا كما هو الآن في بعض البلدان في إطار الطرق الصوفية له مميزات تتسم بالرايات والطبول، والمرقعات، والأناشيد، والاحتفالات، والجوقات، والهتافات، فكل هذه أشياء ظاهرية. فالتصوف في الوقت الحاضر إهتمام بالمظهر والشكل أكثر من كونه منهجا يؤثر في قلوب الناس يهتم بالمضمون، وبالمعنى، وبتحقيق السلوك المستقيم الدال على العلاقة بالله والهادف إلى تحقيق السعادة في الآخرة .
إذن يجب أن يهتم تجديد التصوف اليوم بسلوك الفرد، وبمظهر الفرد. والمظهر هنا لا نقصد به الجوقات والأشكال والشارات التي يتسم بها الكثير من الصوفية وغيرها من الأشياء التي تميزهم عن بقية المسلمين. بل يجب أن يعتمد التجديد بالنسبة للمسلم الصوفي في هذا الزمن على شئ محدد، وهوأن يكون المسلم الصوفي داخل إطار الأمة الإسلامية يشاركهم في كل شئ، ولكن يتميزعنهم بحياة الضمير، وقوة الإيمان والإرادة، والإهتمام بكل دقائق القلب، وبزوايا النفوس حتى تزكو النفس، ويطهر القلب مما يؤثر على سلوك الإنسان عموما في أحواله، وفي أفعاله، وفي أقواله، أوبالعكس في الأقوال وفي الأفعال وفي الأحوال حتى يصبح هذا الإنسان مثالا للبذرة الصالحة، ومثالا للنواة الصالحة لأمة صالحة تصلح في الأرض، وتعمر الأرض بما يعمر الآخرة، وما لا يخرب الآخرة .
ومن هنا، فإن التصوف اليوم عبارة عن تجربة تحتاج إليها كل الأمة الإسلامية، ذلك لأن التصوف كامن في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أفعاله ، وكامن أيضا في أفعال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فليس هناك حديث يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا وتجد فيه دنيا وآخرة وبرزخا لوشئت، وليست هناك قصة تحكى عن الصحابة إلا وتجد فيها دنيا وآخرة وبرزخا لوشئت أيضا.
ومما يؤسف له أن أغلب الناس اليوم لم يفهوا من التصوف إلا القشور فتركوا لب الموضوع ولم يهتموا به. فغاب معظم المنتسبين إلى التصوف عن مشهد الموفقين الذين صفت عقولهم، وقدست أرواحهم من شوائب الأوهام والخيالات، وزكت نفوسهم من رعونات الجري وراء السيادة، والعلو والتنافس المحموم في المشيخة، وقد تركوا محراب العبادة، ومسجد العبودة مهجورا.
ولذلك يحتاج التجديد في التصوف منا اليوم إلى تجديد القلوب والنيات و تجديد الأحوال، و العودة بالناس إلى الله، والإهتمام بتحصين الناس ووقايتهم من التاثر بالمهلكات وهي كثيرة جدا، وأولها الدنيا، والشيطان، والهوى، والنفس، والناس كما تقدم . فهذه الأشياء هي التي حالت بين الناس وبين الوصول إلى مرتبة القبول عند الله، وإلى مستوى التصوف الحقيقي .
التوصيات 1- إحياء العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على الطريقة التي مضى عليها السلف والخلف من أهل السنة والجماعة الذين سرد أصنافهم الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه " الفرق بين الفرق" على مستوى السلوك العام. وعلى مستوى العقيدة على مذهب الأشعري والماتريدي، وعلى مستوى التصوف على طريقة الإمام الجنيد والمشايخ الذين سلكوا نهجه من أرباب الطرق السنية لما فيه من تجليات الحال المحمدي في مقامات الدين الثلاث، الإسلام والإيمان والإحسان . 2- إحياء تعظيم السلف والخلف من علمائنا الذين أسهموا في بيان هذا الدين من فقهاء ومحدثين ومفسرين وقراء ، وزهاد ونساك. 3- بث روح النشاط في الجيل وحثه على طلب العلم والعمل به والإخلاص فيه . 4- إحياء أدبيات الأخوة في الله واحترام هذه الوشيجة الربانية الأزلية. 5- تقويم النفوس واستقامة الفرد والاتزان في كل الأمور والتزام المنهج السوي مظهرا وسلوكا.
ولا يسعنا أخيرا إلا أن نتقدم بجزيل الشكر والثناء، ووافر التقدير والعرفان لجمهورية مصر العربية حكومة وشعبا على كرم الضيافة وحسن الإعداد لهذا المؤتمر الهام سائلين الله تبارك وتعالى لهذا البلد العريق بقادته وعلمائه وأزهره الشريف مثال الوسطية والاعتدال دوام نعمة الأمن والسلام والاستقرار، ومزيدا من التقدم والإزدهار. كما أن شكرنا موصول أيضا إلى أصحاب الفضيلة العلماء، وكافة الإخوة الحضور المشاركين في هذا المؤتمر بتخصصاتهم المختلفة، وأدوارهم القيمة المقدرة في إنجاح هذا المؤتمر. وشكرا لكم على حسن الإصغاء. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الشيخ الشريف إبراهيم صالح الحسيني CON رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي النيجيري ميدغري 2 فبراير 2009م
المراجع:
1- القرآن الكريم 2- الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري وغيره من كتب الحديث 3- الكافي في علم التزكية للشيخ إبراهيم صالح الحسيني 4- إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي 5- الحكم لابن عطاء الله السكندري 6- إيقاظ الهمم شرح الحكم لأحمد بن عجيبة الحسني الفاسي 7- الزهد للإمام أحمد 8- الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||||
|
|
||||||