كلمة الافتتاح المؤتمر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نحو تعاون مثمر بين العلماء والمثقفين ورجال الأعمال في نيجيريا

 

ورقة مقدمة في مؤتمر

القمة الإسلامي الأول في نيجيريا

فندق طاهر، كانو

تحت رعاية

صاحب السعادة الحاكم السيد الدكتور/ إبراهيم شيكرو

حاكم ولاية كانو

في الفترة من 29- 30 يونيو 2009م

المنظمون: مركز التخطيط والبحوث الإسلامي- جامعة أحمد بللو زاريا

بقلم:

الشيخ الشريف إبراهيم صالح الحسيني CON

رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي النيجيري

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة:

     الحمد الله القائل في محكم كتابه العزيز ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر :28 والقائل : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا).: الآحزاب 29

    والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، المقول في حقه : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الحج : 106  والمقول في حقه أيضا ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزعليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم)  التوبة : 130 القائل: ( إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر ، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة " رواه أحمد عن أبى حفص صاحب أنس عنه قال المنذرى : لم أعرفه وفيه رشدين هو ابن سعد  . والقائل: (قليل العلم خير من كثير العبادة ، وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله ، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه " رواه الطبراني في الأوسط وفى إسناده إسحاق بن أسيد وفيه توثيق لين ، ورفع هذا الحديث غريب ، قال البيهقي : ورويناه صحيحاً من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير ثم ذكره ،  والله أعلم قاله الحافظ المنذرى في الترغيب والترهيب ج 1 ص 93 . 

وعن أبى أمامة قال ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال عليه أفضل الصلاة والسلام فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضحتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح ورواه البزار من حديث عائشة مختصرا قال: معلم الخير يستغفر له كل شىء حتى الحيتان في البحر المصدر السابق .

أما بعد:-

 

     فإن قضية التعاون بين العلماء والمثقفين ورجال الأعمال من أجل رفع مستوى أفراد الأمة الإسلامية لإيجاد أمة قوية لها هيبتها ومكانتها بين الأمم والشعوب لأمر واجب وجوبا عينيا في هذا الزمان. ولقد ظللنا ننادي ونعمل من أجل تحقيق هذا الهدف في هذه البلاد وغيرها من دول العالم الإسلامي منذ عقود، فانتبه بعض أولي الأمر في بعض المجتمعات الإسلامية إلى واجباتهم، وهم الآن وإن لم يستطيعوا تحقق كل المطلوب إلا أنهم بدأوا يسيرون في الاتجاه الصحيح لتصحيح الأوضاع المعكوسة، فنسأل الله تبارك وتعالى لنا ولهم التوفيق والسداد.

    أما بالنظر إلى واقعنا في هذه البلاد فإننا قد تأخرنا كثيرا عن الركب، ولازلنا بحاجة شديدة لمراجعة الحسابات ومحاسبة الأنفس والتشميرعلى الأقل في الوقت الراهن لوقف هذا التردي المستمر في أوضاعنا والذي يزداد يوما بعد يوم قبل التفكير في أسس البناء الدائم والتقدم في جميع المجالات لإعمار الكون.

     ومن هنا، فإننا نثمن غاليا هذه المبادرة الطيبة من مركز البحوث والتخطيط بجامعة أحمد بللوزاريا، وبإشراف مباشر من صاحب السعادة السيد الحاكم/ إبراهيم شيكرو حاكم ولاية كانو، والتي يهدف من ورائها إلى الإسهام في مسيرة بناء الأمة، وإنهاضها من كبوتها، فنسأل الله التوفيق والسداد، والقبول والهداية إلى سبل الرشاد بجاه سيد الوجود وعلم الشهود الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

 

 

تعريف المصطلحات:

       قبل الدخول في صلب الموضوع نرى أنه من الضروري تعريف بعض المصطلحات التي يساعد تحديد معناها في تصور الواقع ومن ثم إدراك ما يجب القيام به على وجه التحديد. ومن هذه المصطلحات، العلماء- المثقفون- رجال الأعمال.

 

أولا: العلماء:

العلماء قسمان: علماء بالله ربانيون موسوعيون، وعلماء بأمر الله متقيدون بمانقلوا  منغلقون على موروث لهم .

أما العلماء بالله الربانيين الموسوعيين فهم أولئك العلماء الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر 28.

أي إنما يخشاه الخشية الحقة العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة بالعظيم القدير العليم الموصوف بجميع صفات الكمال المنعوت بكل معاني الأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكبر. والخشية هي البرهان الإلهي الذي يحمل العالم على العمل بعلمه، وعلى التقيد بأوامر الحق ونواهيه، وهي حاصلة عند حصول العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه في خلقه ففي كل يوم هو في شأن يرفع قوما، ويضع آخرين، ويقرب عبادا، ويبعد آخرين كما سبق في علمه أنه يختص بحكم مشيئته من شاء بما شاء من مواهبه.

والعالم بالله هو: من لا يرفع قدما ولا يضع أخرى إلا في طاعة الله تعالى، و لايحرك ساكنا، ولا يسكن متحركا إلا في طاعته تحت أمره وإشارته. وهو بمنزلة المجتهد المطلق بالنسبة لمعرفة أحوال الناس وكيفية الإرشاد والسلوك بالناس طريق السلامة في الدين والدنيا والآخرة، فيسلك بالمؤمنين سبيل النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة، فهم لا يفعلون شيئا و لا يتركونه إلا بإذنه لا نعني أنه يترك السنة ويبتدع لهم شيئا آخر لا بل يسلك بهم طريق السنة، ويعرفهم كيفية اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في القول والفعل والحال.

    ومن لم يصحب في حياته مثل هؤلاء العلماء فقد خسر حياته وضيع عمره وذهب شبابه باطلا، حتى يبلغ الأمر بالمؤمن إلى أعلى درجات مشاهدة سيد الوجود وعلم الشهود، فلا يفعل شيئا ، أو يتركه إلا بإذن من حضرته. وأصحاب هذا القدم في الناس أفراد، ولا يتحقق لأحد بدونهم في مقامات العرفان مراد. راجع كتابنا الكافي في علم التزكية ج 2.

  وهذا النوع من العلم وهبي وليس كسبي وإنما ينال بالتقوى قال تعالى: ( واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم ) . البقرة : 281  كما أنه ليس شرطا أن يكون العالم بالله ملما بالكتابة فقد يكون أميا. ولقد سجل لنا التاريخ الإسلامي نماذج عديدة من أمثال هؤلاء العلماء بالله، فهذا هو الشيخ عبد العزيز الدباغ أجرى الله تبارك وتعالى على لسانه من العلوم والمعارف والحكم ما لا ينطق بها إلا الواحد بعد الآخر في كل عصر من العصور.

وهذا النوع من العلماء موجودون في كل زمان وأوان، وهم أهل المعرفة الخاصة المعروفون بالعدالة في كل مكان، لأنهم حملة علم الشرع الشريف عندما نعتبر العمل مع العلم فإنه وإن وجد في غيرهم من يستحق اسم عالم إلا أنه لخلو أكثر من تسموا بهذا الاسم عن العمل أصبح الاسم غير صادق عليهم صدق الحد على المحدود إذ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، فلذلك رأينا أن هذا الاسم لا يطلق على أحد من العلماء بإطلاق إلا من عمل بما علم، أما غير العامل بعلمه فلا يستحق من ذلك شيئا، وليس هو بعدل عند طوائف المحققين من أهل العلم والمعرفة، وإلى هؤلاء الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ". راجع كتابنا الكافي ج2. 

       

 

حقيقة العالم الربانى وصفاته

 

  إن العالم الربانى فى أبسط صورته يجب أن يكون جامعا للصفات الأساسية للقيادة الإسلامية الرشيدة من عدالة شاملة وعلم واسع وتقوى ظاهرة وكفاءة وافية وحكمة باهرة تتمثل هذه الصفات كلها فى قوته وخبرته وحنكته وقدرته على التصرف والإقدام والبت فى الأمور مع التنزه من الخوف والطمع والكذب والنفاق. ان العالم الرباني هو الفقيه  الذي تمكن من فهم مسائل الدين من صلاة وزكاة وصيام ومعاملة من انكحة وبيوع مما يتمثل في علوم الشريعة كلها وثمرة هذا العلم هو التقوى والزهد في الدنيا والورع واجتناب الشبه في الأعمال والأقوال والمعتقدات والأكثار من الذكر والعمل الصالح والخلق بسني الأخلاق ومكارمها وهوالسبب الأساس في اعتبار حق المرجعية في العلماء ودعوة الناس الى الرجوع اليهم في مسائل الدين وهذه تزكية لهم من الله تعالى بكونهم أهل إختصاص 0

    والمراد بالعدالة هنا هى السلامة من فسق الجوارح الظاهرة والباطنة وبذالك يكون العالم قدوة يصلح للإ قتداء به فى سلوكه ونزاهته ومروء ته وعفته وأمانته وفى جميع خصاله وأمره كله. ومن المعلوم أن صفة العدالة إذا انتفت عن الشخص إنتفت عنه معها الثقة به فلا يصدقه الناس ولا يطمئنون إليه ولا يعتمدون عليه فيما يدعيه بل ولا يأ منه الناس على مال ولا عرض ولا دين يقول الله تبارك وتعالى : { أتأ مرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} البقرة : 44 ويقول تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون *} الصف : 2-3 .

    ومثل الفاسق بجارحته الفاسق بعقيدته لإتصافه ببدعة تنافى شغله لمنصب قيادة الأمة، ولكونه يخرج بذالك عن كونه ربانيا يجوز الإقتداء به. 

   إن توفر صفة العلم فى أى قائد إسلامى أمر ضرورى، وقد شرحنا  أنواع العلوم التى يجب توفرها فى المجتهد فى بابه، والعلم الذى يحتاج إليه الربانى من أهل القيادة الإسلامية إضافة إلى علم الفتوى والفقه وأصوله والعقيدة وأصولها  علم الحياة بكل أبعادها والفقه بأولويات الأمور والإحاطة بمتطلبات هذا العصر من ثقافة دينية ودنيوية . فيجب عليه أن يكون ملماً بالعلوم كلها حسب المستطاع، وبصفة خاصة ما يتعلق بالسياسة والإجتماع والإقتصاد وفقه المعاصرة.  فدور العالم الربانى هنا كما ترى يتجاوز حدود الإخبار بالحكم أو الإقتصار على الوعظ والإرشاد، أو الترغيب والترهيب، أو الإقتصار على تربية المريد ين والإشراف على ترشيد سيرهم إلى الله فى المظهر والسلوك، فهو إذن منفتح واسع الاططلاع على جميع الحضارات والثقافات درسها وفهمها حتى تحصلت لديه أكثر من فكرة واحدة عن الله ، وعن الحياة، وعن الإنسان حتى أصبح يغني ولا يغني عنه غيره.

فالعالم الرباني يتجاوز كل هذه المراحل الهامة إلى إحداث التغيير الجذرى لواقع الأمة والتجديد الفعلى للدين ومن المعلوم أن كل هذا لا يكون محققا للقيم المطلوبة حتى يتسم العالم الربانى بالتقوى والخشية والمراقبة لله تعالى، وبذالك يصبح روحا يحيى فى كل بيت وداخل كل فرد فيتحقق بذالك معنى التجديد الفعلى للدين والإيمان والعهد والميثاق .  

 

 

القدوة الحسنة

    العالم الربانى هومركز الإقتداء والتأسى لأمته وأتباعه وأنصاره فى كل أموره فى إيمانه وتقواه فى عمله الصالح وصدقه وفى كرمه وعطفه وفى إشفاقه ولينه وفى إقدامه وإحجامه وفى عزمه وحزمه وفى تضحيته وإيثاره وفى صرامته وشجاعته فى اتخاذ القرارات أو إصدار الأوامر وتنفيذ الخطط والوفاء بالعهد والإعتدال فى كافة التصرفات مما يولد فى نفوس أفراد الأمة قناعة تامة به فيقتدوا به فى كل الأنشطة رافعين الراية التى رفعها قبلهم مقبلين بكل عزيمة على اعتناق المبادىء التى نادى بها وسبق الجميع إلى تطبيقها والإتصاف بمضمونها قال تعالى : { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } الأحزاب : 21 .

    هذه القدوة فى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتصر فقط على سنته القولية أو الفعلية ولكن كل شىء فى ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم هو محل إقتداء، والقدوة الحسنة من الربانيين له نصيب فى هذه الصفة بحكم الإرث مع العلم بالفرق الكبير بين النبى والرسول وغيره لمكان النبوة والعصمة، وكون المرسل لهداية الناس هو الجهة التى يتلقى منها الناس أحكام ربهم وتشريعاته . 

    ومن أهم أوصاف العالم الربانى ثقته المطلقة فى الله وفى اعتنائه بأوليائه وإنما يتحقق ذالك للعبد بمعرفته لمنزلة ربه  وعظمة أمره وحقه عنده كما جاء فى حديث جابر بن عبدالله رضى الله عنه حين قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:( أيها الناس إن لله تعالى سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر فى الأرض فارتعوا فى رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة قال مجالس الذكر فاغدوا وروحوا فى ذكر الله وذكروه بأنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه) . رواه البزار وأبويعلى والطبرانى والحاكم فى المستدرك وابن أبى الدنيا وقال الحاكم فيه كعادته  صحيح الإسناد مع أن فى إسناده عبد الله بن عمر مولى غفرة وهوفيه كلام شديد لإبن حبان وغيره ذكرناه فى كتاب الإقتصاد فى تصحيح قواعد الإعتقاد .

      وورد من حديث أنس عند الدارقطنى فى الأفراد وأبونعيم فى الحلية عن أبى هريرة وفيه صالح المرى عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عنه.  وعن سمرة عند أبى نعيم بلفظ من سره أن يعلم ماله عند الله فليعلم مالله عنده .

    إذن لابد من التعلق الدائم بالله وهى حقيقة الحديث الوارد فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكرالله على كل أحيانه أو فى كل أحيانه أوكما قالت عائشة رضى الله عنها .

  

     أما القسم الثاني من العلماء فهم العلماء بأمر الله الذين اقتصروا على معرفة فقه المعاملات ولم يتعرضوا للجوانب الأخرى التي يعتبر الإلمام بها من ضرورات الحياة، ومن أهم ركائز إقامة الدين بمعناه الشامل، فهؤلاء منغلقون على أنفسهم ولقد أسهمت البيئة التي وجدوا أنفسهم فيها خاصة بعد حقبة الاستعمار إسهاما كبيرا في الأوضاع التي يعيشونها.

   ومع ذلك – والحق يقال- فإن ما تبقى من تمسك بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، عقيدة أهل السنة والجماعة، والمحافظة على المظاهر العامة للحياة الإسلامية كالإهتمام بقراءة القرءان الكريم وحفظه وتجويده ودراسة السنة المشرفة وسائر العلوم الشرعية الأخرى على وجه الضبط والتدقيق إنما يرجع إلى هؤلاء العلماء الأفاضل حفظهم الله والعلماء في المجال  يجب أن نعتبرهم عامل توجيه وربط وتوازن بين جميع طبقات المجتمع وهذا الدور ينبع من إرثهم للقيادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففى الحديث ألعلماء ورثة الأنبياء   .

 فعن أبى الدرداء رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له بابا إلى الجنة وفرشت له الملائكة أكنافها وصات عليه ملائكة السموات وحيتان البحر وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء ( والعلماء ورثة الأنبياء ) إن العلماء لم يورثوا دينارا ولادرهما ولكنهم ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظه وموت العالم مصيبة لاتجبر وثلمة لاتسد وهو نجم طمس موت قبيلة أيسر من موت عالم 0 رواه أبوداود والترمذى وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وليس عندهم موت العالم إلى آخره ورواه البيهقى واللفظ له من رواية الوليد بن مسلم حدثنا خالد بن يزيد بن أبى مالك بن عثمان بن أيمن عنه ذكره المنذرى 0

المثقفون:

     أصل الكلمة كما في المنجد ثقف بكسر القاف وثقف بضمها ثقفا وثقافة: صار حاذقا... وتثقف: هذبه وعلمه فتهذب وتعلم فهو مثقف وهي مثقفة. وهذا مستعار من ثقف الرمح ، والثقاف بكسر الثاء آلة تثقف بها الرماح . الثقافة التمكن من العلوم والفنون والآداب.انظر المنجد في اللغة والأعلام.

    وتطلق كلمة المثقف هذه الأيام على الشخص المتعلم المنفتح الذي درس ثقافات وحضارات الشعوب والأمم الأخرى فأصبح مستنيرا  ذا فكرة ثاقبة، وبصيرة نافذة في كل ما يتعلق بشئون الحياة على سطح كوكب الأرض.

       والمثقفون بهذا المعنى متفاوتون فمنهم المعتدلون الوسطيون الذين يأخذون النافع من الحضارات والثقافات أيا كانت والإفادة منها في البيئة التي يعيشون فيها مع المحافظة على الأصول والثوابت، واحترام النسب الإلهية وإعطاء كل ذي حق حقه.وهؤلاء إما أن يكونوا علماء ربانيين أتموا دراسة الشريعة وتحققوا بها ثم تعدوا إلى غيرها من العلوم الإنسانية كالإمام الغزالي  وابن رشد رحمهما الله ومن شاكلهم في عصرنا الحاضر، وإما أن يكونوا حكماء عاديين كابن سينا والفارابي وابن طفيل.

   وهناك قسم ثان من المثقفين جنحوا إلى التفريط تارة، وإلى الإفراط تارة أخرى فبعد أن درسوا ثقافات الآخرين واعجبوا بها طفقوا يقيسون كل شئ على حسب استنتاجاتهم الفكرية دون التقيد بثوابت الدين وأصوله، فنمت فيهم نزعة الاعتداد بالرأي وهدم كل بنيان كان قائما للبداية من جديد حسب تصورهم، ولم يوفقوا للفهم عن الله، ولم يدركوا أسراره سبحانه وتعالى في مملكته التي وضع كل شي فيها بمقدار، قال تعالى: ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) الكهف: 50 . وأصبح هذا القسم من المثقفين مقلدين لأصحاب الثقافات والحضارات الأخرى ومرددين لما يقولونه  خاصة فيما يتعلق بالنظرة الدونية للمسلمين وعلمائهم. كما تمكنت من نفوسهم نزعة الإعجاب بالرأي فأفسدوا كثيرا من الأمور ومن المفارقات أن يلبس هؤلاء لباس العلماء ويعطوا لأنفسهم حق الإفتاء في الدين بحسب فهمهم المريض وبحسب اهوائهم ولاحق لهم في ذالك وكان هذا من أكبر أسباب حدوث الفوضى في الفتاوى في الفضائيات وهو أمر يؤسف له والله المستعان   .

رجال الأعمال.

أما رجال الأعمال فهم كل أولئك الذين يشتغلون بالتجارة والزراعة والصناعة وغيرها من الأعمال الحديثة كالمقاولات عبر الشركات المحلية أو الدولية ومن أبرزهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  عدد من كبار الصحابة كاالخلفاء الراشدين ومن أبرزهم الخليفة الأول أبى بكر الصديق وعثمان ذى النورين رضوان الله عليهم أجمعين ولقد أسهموا بثرواتهم في الدعوة إلى الإسلام ونصرته في كل المجالات .

   فالإسلام كما هومعلوم يبيح جميع هذه الأعمال طالما كانت مقيدة بالأحكام الشرعية، كما أنه يطلب إلى رجال الأعمال ديانة معرفة حكم الشرع في كل ما يقومون به من أعمال تجارية قبل الشروع فيها.

   ولقد سجل التاريخ الإسلامي لنا في صفحات مشرقات خالدات مساهمات عديدة لرجال وسيدات أعمال في بناء الدولة الإسلامية كالسيدة خديجة رضي الله عنها، وسيدنا أبى بكر الصديق  وسيدنا عثمان بن عفان كما تقدم  وسيدنا الزبير بن العوام وسيدنا عبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

 

كيف يتم تعاون العلماء والمثقفين ورجال الأعمال

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ).: المائدة 3 0

إذا أردنا أن نعيد لأمتنا الإسلامية مكانتها السامية لا بد لنا من الوحدة، ولن تتم هذه الوحدة إلا بالتعاون فيما بيننا بحيث يعطي كل منا حسب ما يسره الله تبارك وتعالى له من عطاء علمي أو معرفي، معنوي أومادي يسهم في نهضة الأمة، ولكي يتحقق لنا هذا لا بد من مراعاة الآتي:

1-   تحسين الظن بالله وبعباد الله خاصة أولئك الذين يعملون أو يفترض أن يكونوا عاملين في حقل الدعوة الإسلامية وفي مختلف التخصصات والمجالات.

2-   ضرورة إدراك الفرق بين القيادة الإسلامية الروحية التي مبدؤها العناية الربانية وهى فى  صورتها الحقيقية هبة ربانية وإرث نبوى كالراشدية فى  الخلافة فقد يمكن أن توجد الخلافة بدون وصف الراشدية، وبين القيادة الإسلامية السياسية الحركية التي تكون فيها مهام القائد السياسى الحركى مسندة إليه من قبل الأتباع ولا يكون قائدا إلا بهم وذلك عن طريق الانتخاب طواعية لأمر يقتضى ذالك .

3-   ضرورة مراجعة العلماء والمثقفين في هذه البلاد أنفسهم وتحريرها من الخوف والطمع والتجرد للعمل معا بإخلاص وتفان لخدمة هذا الدين، مع الاحترام الكامل للدور الذى يقوم به كل فريق  والتقدير المتبادل بين الجميع بكل إخلاص .

4-   ضرورة الرجوع إلى أهل العلم والذكر والخبرة والدراية خاصة في الإفتاء في الشئون التي تتعلق بالدين أو بمصير الأمة من غير استكبار عملا بقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الأنبياء: 7. ( ولا تقف ما ليس لك به علم) الإسراء : 36

5-   ضرورة النأي عن الاعتداد بالرأي والشذوذ الفكري ومحاولة تسيير الأمور وفق الآراء الشخصية والأهواء الفكرية فإن خطر ذلك عظيم، وضرره جسيم، ويمكن الاستئناس هنا بأبيات أنشدناها في بعض المناسابات قبل  أربعة عقود

العلم ما صح للمختـــــار نسبتـــــه        وما سواه فلا تحفل به أبــــــــــــدا

         فالزم فديتك أخبــــــار تنيرا لـــــــه         طريقة الحق تزدد في الهدى رشدا

ومــــن تــــراه إلى الآراء متبعـــــا        فاحذره للدين مهما كان ما اعتقــدا

ولا تجادل على التحكيم ذا شطــط          فليس متبع الهادي كمـن جحــــدا

ولست أدعو إلى ما العقل ينتجـــه          مـن الخيالات صرفا ضد مـا وردا

فكم أثار الهوى في الناس معضلة           تدمر المدن لا تبقي بها أحـــــــدا

لكن دعوتك للوحي الموضح للوحي         المنزل من رب الورى عضــــــدا

تلك التي نورها في كــل مـشكــلة            يجلوغشاوة قلب قصــــده اتحد ا

والله أرجوه توفيقا يســـهل لــــي            سلوكمنهج عبــد جد واجتهــــــدا

 

    وختاما، نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق جميع المنتسبين إلى العلم وكذلك المثقفين للعمل بما علمهم الله، ومراعاة آداب الأخوة الإسلامية من حيث إشاعة روح المحبة، والتعامل بالحكمة والتعاون المثمر بينهم، فإن ذلك سيفضي إلى تقبل رجال الأعمال نصائح وتوجيهات وإرشادات العلماء والمثقفين في جميع المجالات الأمر الذي يعتبر عاملا قويا من عوامل نهضة الأمة الإسلامية والمحافظة على قوتها ووحدتها ومقدراتها.

 

    كما لا يسعنا أيضا إلا نتقدم بجزيل الشكر ووافر الثناء لصاحب السعادة السيد الحاكم/ الدكتور إبراهيم شيكرو على حسن ضيافته، كما أشكر لجميع الإخوة المنظمين حسن ظنهم بنا واتاحتهم لنا هذه الفرصة الطيبة للقاء والتشاور والتفاكر مع هذه النخبة النيرة من العلماء وقادة الفكر والرأي ورجال الأعمال ممن تجمعنا بهم وحدة الهدف والمصير.

جزاكم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء، وبارك فيكم، وشكرا لحسن الإصغاء.

                          والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الشيخ الشريف إبراهيم صالح الحسيني CON  

رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي النيجيري